صديق الحسيني القنوجي البخاري

556

فتح البيان في مقاصد القرآن

إبراهيم في وقت آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء ، لأن الظاهر أنه دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها وهي ترضعه ووضعها عند البيت ؛ وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت ، قال الكرخي : وزمان الدعاء والحمد مختلف ، فإن الدعاء في طفولية إسماعيل ولم يكن إسحاق حينئذ . إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ أي لمجيب الدعاء من قولهم سمع كلامه إذا أجابه واعتد به وعمل بمقتضاه ، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول ، والمعنى إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك وكان إبراهيم قد دعا ربه فسأله الولد بقوله رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [ الصافات : 100 ] فلما استجاب اللّه دعاءه قال الحمد للّه الخ . ثم سأل اللّه سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظا عليها غير مهمل لشيء منها فقال رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ أي ممن يقيمها بأركانها ويحافظ عليها في أوقاتها ، ثم قال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة وإنما خص البعض من ذريته لأنه علم أن منهم من لا يقيمها كما ينبغي ؛ ثم سأل اللّه سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم فقال رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ويدخل في ذلك دعاؤه في هذا المقام دخولا أوليا قيل والمراد بالدعاء هنا العبادة ، فيكون المعنى وتقبل عبادتي التي أعبدك بها . ثم طلب من اللّه سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره اللّه وإن لم يكن كبيرا لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر . فقال التجاء إلى اللّه وقطعا للطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه ، واعترافا بالعبودية للّه والاتكال على رحمته . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ قيل إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم إنهما عدوان للّه سبحانه وقيل بشرط الإسلام ، وقيل كانت أمه مسلمة والأول أولى ، وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وفيه بعد ؛ وقرىء شاذا ولولديّ - يعني إسماعيل وإسحاق - وأنكرها الجحدري بأن في مصحف ولأبوي ، فهي مفسرة لقراءة العامة . وَلِلْمُؤْمِنِينَ ظاهره شمول كل مؤمن سواء كان من ذريته أو لم يكن منهم . وقيل أراد المؤمنين من ذريته فقط والأول أولى . واللّه تعالى لا يرد دعاء خليله ، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة اللهم اغفر لي مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا ، وإني من ذرية خليلك إبراهيم فاغفرلي ولمن أخلفه من المؤمنين . يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ أي يوم يثبت حساب المكلفين في المحشر ، استعير له لفظ يقوم الذي هو حقيقة في قيام الرجل للدلالة على أنه في غاية الاستقامة . وقيل إن المعنى يوم يقوم الناس للحساب ، وقيل يبدو ويظهر فيه الحساب والأول أولى . وَلا تَحْسَبَنَّ بفتح السين وكسرها قراءتان سبعيتان ، أي لا تظنن اللَّهَ غافِلًا